ابن كثير
20
البداية والنهاية
المدائني : أول ما عرف من رياسته أنه وطأ صبيا بدمشق بفرسه فحمله فأشهد طائفة من الناس أنه هو صاحبه ، فإن مات فعليه ديته ، وقد استنابه الوليد على الحجاز من سنة تسع وثمانين إلى أن توفي الوليد ثم سليمان ، وفي سنة ست ومائة استنابه هشام على العراق إلى سنة عشرين ومائة ، وسلمه إلى يوسف بن عمر الذي ولاه مكانه فعاقبه وأخذ منه أموالا ثم أطلقه ، وأقام بدمشق إلى المحرم من هذه السنة فسلمه الوليد بن يزيد إلى يوسف بن عمر يستخلص منه خمسين ألف ألف ، فمات تحت العقوبة البليغة ، كسر قدميه ثم ساقيه ثم فخذيه ، ثم صدره ( 1 ) ، فمات ولا يتكلم كلمة واحدة ، ولا تأوه حتى خرجت روحه رحمه الله . قال الليثي عن أبيه : خطب خالد القسري يوما فأرتج عليه فقال : أيها الناس ! إن هذا الكلام يجئ أحيانا ويعزب أحيانا ، فيتسبب عند مجيئه سببه ويتعذر عند عزوبه مطلبه ، وقد يرد إلى السليط بيانه ويثيب إلى الحصر كلامه ، وسيعود إلينا ما تحبون ، ونعود لكم كما تريدون . وقال الأصمعي وغيره : خطب خالد القسري يوما بواسط فقال : يا أيها الناس تنافسوا في المكارم وسارعوا إلى المغانم واشتروا الحمد بالجود ، ولا تكتسبوا بالمطل ذما ، ولا تعتدوا بمعروف لم تعجلوه ، ومهما تكن لاحد منكم نعمة عند أحد لم يبلغ شكرها فالله أحسن له جزاء ، وأجزل عطاء ، واعلموا أن حوائج الناس إليكم نعم فلا تملوها فتحول نقما ، فإن أفضل المال ما كسب أجرا وأورث ذكرا ، ولو رأيتم المعروف لرأيتموه رجلا حسنا جميلا يسر الناس إذا نظروا إليه ، ويفوق العالمين . ولو رأيتم البخل لرأيتموه رجلا مشوها قبيحا تنفر منه القلوب وتغض دونه الابصار . إنه من جاد ساد ، ومن بخل ذل ، وأكرم الناس من أعطى من لا يرجوه ، ومن عفا عن قدرة ، وأفضل الناس من وصل عن قطيعة ، ومن لم يطب حرثه لم يزك نبته ، والفروع عند مغارسها تنمو ، وبأصولها تسمو . وروى الأصمعي عن عمر بن الهيثم أن أعرابيا قدم على خالد فأنشده قصيدة امتدحه بها يقول فيها : إليك ابن كرز الخير أقبلت راغبا * لتخبر مني ماؤها وتبددا إلى الماجد البهلول ذي الحلم والندى * وأكرم خلق الله فرعا ومحتدا إذا ما أناس قصروا بفعالهم * نهضت فلم تلق هنالك مفقدا فيا لك بحرا يغمر الناس موجه * إذا يسأل المعروف جاش وأزبدا بلوت ابن عبد الله في كل موطن * فألفيت خير الناس نفسا وأمجدا فلو كان في الدنيا من الناس خالد * لجود بمعروف لكنت مخلدا فلا تحرمني منك ما قد رجوته * فيصبح وجهي كالح اللون أربدا
--> ( 1 ) في الاخبار الطوال ص 348 : وضع ( يوسف بن عمر ) على خالد المضرسة - وهي حجر غليظ جدا خشن الوطئ . وجعل يعذبه بها حتى قتله .